لتصلك الموضوعات الجديدة

لمتابعة موضوعات المدونة
كن من متابعى مدونتى ليصلك كل ما هو جديد

اضغط هنا للاشتراك

الزوار

السبت، 11 فبراير 2017

الصرخة



كان ذلك النور يومض فجأة ليغمر عيناى وبعد قليل يتلاشى تدريجيا .....تارة اسمع تلك الاصوات حولى تتهامس .... بعضها مميز بالنسبة لى و البعض الاخر يتطرق لسمعى للمرة الاولى ..... اشباح لاناس تحوم من حولى ...... احاول ان اتواصل معهم ... انادى على احدهم ..... و لكن لم تكن كلماتى تتجاوز شفتاى .... اريد ان احرك يداى او اقدامى  و لكن هيهات و كأن قيودا من الفولاذ قد احكمت الغلق على اطرافى فلا اشعر بها ..... تختفى الاصوات و الاشباح من حولى لاجدنى اعود داخل هذا الحلم المتكرر و منه اجدنى داخل ذلك الاتوبيس  مرة اخرى ......  كان يقلنى منذ عدة ايام الى مدينة الغردقة فى رحلة عمل ......
لا اعلم لماذا يبدأ الحلم دائما على اللحظة التى يفقد فيها سائق الاتوبيس سيطرته على تلك الالة الخرقاء ذات الاطارات الهوائية ......يترنح الاتوبيس يمينا و يسارا لنطير عاليا من فوق الطريق حتى نهبط من جديد على الرمال بعد عدة دورانات فى الهواء يتبدل خلالها اوضاع السماء و الارض اكثر من مرة الى ان نستقر على احدى جانبى الاتوبيس او بالادق ما تبقى منه ........ استيقظ مرة اخرى من ذلك الكابوس على صوت ابى الدافئ .... لم يكن تلك المرة مبتسما كعادته  مثل كل مرة يوقظنى فيها .... كان عابث الوجه مكتئب.... ادركت بعدما نهضت من فراشى ان سبب حزنه الشديد هو فراق احدهم الحياة ..... ارتديت ملابسى سريعا لاذهب معه الى المقابر لتقديم واجب العزاء فى المنتقل .... سالت ابى و نحن فى الطريق عن اسم المتوفى فلم يجبنى ..... اعتقدت وقتها انه لم يسمعنى فكان شارد الفكر مهموم .... ربما كان احد اصدقائه المقربين فلم ارى دموعا لابى من قبل حتى فى احلك المواقف و اشدها و طأة ........ ها انا اراها الان تنساب على وجنتيه دون ان يدرى او يحاول منعها ...... كان المشهد حقا مهيب.... عدد من الناس لم يصادفنى من قبل ... سمعت احدهم يقول كان شابا فى مقتبل العمر و اخر مستغربا من حال الدنيا .... خرج احدهم من المقبرة مغمورا بالاتربة و اشار لبقيتهم  بان كل شئ جاهز و معد ..... صمت الناس هيبة للموقف فقد حانت لحظة وضع الجثمان فى مسواه الاخير .......مررت ببصرى ابحث عن صندوق فلم اجد فى وسط هذا الزحام ..... فجاة اتجهت انظار الناس كلها شاخصة نحوى و تقدم ستة افراد من اقربائى ليحملونى عنوة ..... صرخت .... حاولت منعهم فلم استطع ..... لم يستجب احد لتوسلاتى .... بحثت عن ابى فلم اجده اختقى من الجوار ..... اتجهوا بى ناحية القبر ..... سمعت احدهم يقول سوف يدفن بجوار ابيه رحمه الله ..... ادركت لحظتها الحقيقة .... فانا اذا ذلك الميت !!! و سوف الحق بابى المتوفى منذ ثمان سنوات ......عدت بالذاكرة الى الوراء حتى اوقفتنى لحظة اكتشاف السائق ان الاتوبيس اضحى يسير بلا فرامل و صوت ارتطام حدث بعده ما حدث ...... تاكد لى اننى فارقت الحياة ..... ها انا محمول على الاكتاف .... اسير الى وجهة دون ارادتى .... سالت نفسى اين تلك الايام التى كنت امتلك فيها قرارتى .... يا ليتها تعود فاحسن اختيارتى بدقة متناهية ........ انتهى الوقت ... و كم كنت امتلك من الوقت الذى مضى ضائعا دون هدف ...... و لا اعرف ايهما ادق هل اسميه وقت ضائع ام اسميه وقت مسروق .....ما الفائدة  والمحصلة واحدة ..... زاد هلعى عندما مرت حياتى كلها امامى كشريط سينمائى ممل و مخزى .... فقير من الرحمة ... غنى بالنزاعات .... عارى من الخير ..... مكتسى بالرياء ..... اريد الان فرصة .... فرصة واحدة اعود فيها لأمزق حياتى القديمة و انسج اخرى مشرفة .....اهدم كل ما هو سلبى .... وابنى كل ما هو ايجابى .... انتظروا .... انتظروا .... ناديتهم باسمائهم .... لا مفر .... لا مجيب ..... فقط مقدمون على ما يفعلونه بكل همة و نشاط ..... و ضعونى بالداخل و اغلقوا الباب ... اغلق على باب الى الابد و لم تفيد صرخاتى التى ذهبت هباء مع الريح ..... طلبت فيها فرصة للتغيير ..... ساد الظلام ...... و فجاة .... عاد النور .... عاد يومض من جديد ليغمر عيناى ... لم يتلاشى هذه المرة كان نور قوى .... عادت الاشباح ايضا تحوم من حولى بصورة اوضح ..... ميزت اصواتهم فقد بدت عالية هذه المرة ... انهم اقربائى و اصدقائى ... اصوات شكر لله و تهليل .... لقد عاد .... افاق اخيرا .... بدأ يتحرك .... فتحت عيناى لارى شخص بملابس بيضاء يتملقنى اعتقدت للوهلة الاولى انه ملاك و قد حان وقت الحساب على ما اقترفته  .... لكنى اكتشفت انه طبيب عندما بدا يفحصنى .... ابتسم اخيرا و هو يقول حمدا لله على سلامتك فلا انكر عليك اننا فقدنا الامل فى عودتك ...... لقد منحت فرصة اخرى للحياة ... قولت له بكلمات مرتعشة و انا اتنفس الصعداء ... نعم .... انت لا تعلم كم انا فى اشد الحاجة الان لتلك الفرصة .... الفرصة الاخيرة .